مهمة السودان تجاه «الجنائية الدولية»!

مهمة السودان تجاه «الجنائية الدولية»!

في فبراير الماضي، أبرمت السلطات السودانية مذكرة تفاهم مع «المحكمة الجنائية الدولية» بشأن تحقيقها مع علي كوشيب. يُتوقع أن تمنح هذه الخطوة الحيوية محققي المحكمة دخول السودان قبل مداولات قضاة المحكمة في مايو، لتقييم ما إذا كان ثمة أدلة كافية لفتح محاكمة في قضيته.

تتهم المحكمة كوشيب بأكثر من 50 تهمة متصلة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. كان كوشيب زعيم ميليشيا «الجنجويد» وشغل مناصب قيادية في «قوات الدفاع الشعبي» و «شرطة الاحتياطي المركزي» السودانية. سلم نفسه طوعا إلى المحكمة في يونيو الماضي.

وعدت الحكومة الانتقالية في السودان المحكمة بالتعاون معها، واستقبلت في أكتوبر مدعية المحكمة لأول مرة، في تناقض كبير مع حكومة البشير السابقة التي عرقلت بشدة جهود المحكمة. تلاحق المحكمة الجنائية الدولية حكومة البشير لاتهامات بجرائم إبادة جماعية، وجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور.

لكن يمكن للحكومة الانتقالية، وينبغي لها، التعاون أكثر عبر تسليم الهاربين الأربعة المتبقين من المحكمة، وثلاثة منهم، بمن فيهم البشير، محتجزون بالفعل في السودان.

من المهم الملاحظة أنه لا أساس قانوني لاحتفاظ السلطات السودانية بالهاربين من المحكمة، وهي ملزمة دوليا بتسليمهم. قرار مجلس الأمن الدولي الذي أحال الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في 2005 يطالب السودان صراحة بالتعاون مع المحكمة. تم تبني القرار بموجب الفصل السابع من «ميثاق الأمم المتحدة»، ما يعني أنه يحمل في طياته سلطة الإنفاذ التي يملكها المجلس.

قد يقول البعض إن السلطات السودانية يمكنها، وينبغي لها، محاكمة أولئك المشتبه فيهم داخل البلاد. لكن، في هذه الحالة، سيتعين على الحكومة أن تثبت لقضاة المحكمة الجنائية الدولية أن النظام القانوني السوداني يحاكم المشتبه بهم نفسهم على الجرائم نفسها التي تغطيها تهم المحكمة.

لا توجد مثل هذه الإجراءات حاليا بحسب المعلومات المتاحة، وبعد عام ونصف من تولي الحكومة الانتقالية السلطة، مر وقت طويل بالفعل. على السلطات إحالة الهاربين إلى المحكمة الجنائية الدولية الآن وبعد ذلك اتباع الإجراءات اللازمة إذا رغبت في محاكمة المشتبه بهم في البلاد على الجرائم نفسها.

لكن على السلطات أيضا النظر في جميع التحديات المرافقة لمحاولة المحاكمة في قضايا المحكمة الجنائية الدولية في الداخل. الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب - التهم التي يواجهها المشتبه بهم في المحكمة– لم تُدرج كجرائم صريحة في القانون السوداني إلا بعد أكثر من خمس سنوات من بدء القوات الحكومية ارتكاب فظائع واسعة النطاق في دارفور في 2003 . يُحتمل ألا تعتقد المحاكم المحلية أنه بالإمكان محاكمة المتهمين بهذه الجرائم في السودان بما أن القانون لم يتغيّ إلا بعد وقوع الجرائم.

كما قد يُحرم الضحايا من إمكانية المساءلة عن النطاق الكامل للفظائع المرتكبة إذا جرت المحاكمات المحلية على جرائم أخرى فقط، مثل القتل والتآمر. 

لا يزال المبدأ القانوني لمسؤولية القيادة، الذي تقع عليه المسؤولية الجنائية للقادة في كثير من الأحيان، غير مدرج في القانون السوداني. كما أن حصانة من يشغلون مناصب رسمية وقوانين التقادم تحد القضايا على المستوى المحلي أيضا. يفتقر نظام السودان إلى تدابير حماية المحاكمة العادلة في القانون والممارسة، وهي ضرورية لتكون الإجراءات ذات مصداقية، في الشكل والمضمون.

تركز المحكمة الجنائية الدولية على عدد صغير من القضايا التي تشمل المشتبه بهم ذوي المناصب الأعلى لأسباب وجيهة. إذ يمكن أن يكون التقاضي في هذه القضايا معقدا ومكلفا للغاية لأنه غالبا ما ينطوي على حوادث عديدة جرت على امتداد فترة طويلة، ويكشف ارتباط الجرائم بمشتبهٍ بهم ربما لم يكونوا حاضرين جسديا عند ارتكابها. تميل القضايا إلى أن تكون فائقة الحساسية نظرا إلى مناصب المشتبه بهم، وتثير مشاكل تتعلق بالأمن وحماية الشهود. معالجة هذه القضايا قد تشكل ضغطا كبيرا على السلطات السودانية.

في غضون ذلك، لدى السلطات السودانية فرص كثيرة لتحقيق العدالة في جرائم سابقة تتعدى قضايا دارفور الخمس التي رفعتها المحكمة الجنائية الدولية. لا شك أن ثمة عشرات - وحتى مئات - الأشخاص الآخرين الذين يجب التحقيق معهم جنائيا بهدف مقاضاتهم. يقع هؤلاء في المستويات القيادية المتوسطة والمرتفعة فيما يتعلق بالفظائع المرتكبة في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، ودارفور، والهجمات على المتظاهرين، وما يزال بعضهم يشغل مناصب رسمية.

بينما تشير التقارير الإخبارية إلى حدوث تقدم في بعض التحقيقات الجنائية المحلية حول جرائم الماضي، يسود الإفلات من العقاب في الأغلب. ثمة حاجة إلى تعزيز الجهود المبذولة، وعلى السودان أن ينشئ، دون تأخير، المحكمة الخاصة بالجرائم في دارفور المنصوص عليها في اتفاق جوبا للسلام لعام 2020.

إذا كانت السلطات السودانية تلاحق اتهامات بجرائم غير تلك التي قدمتها المحكمة الجنائية الدولية لأي من المشتبه بهم السابقين هؤلاء، يمكنها التفاوض على محاكمتهم على تلك الجرائم في السودان. من المحتمل أيضا أن تسمح إجراءات المحكمة الجنائية الدولية للمشتبه بهم بقضاء العقوبات في بلدانهم، إذا رغبوا في ذلك.

ينبغي للسودان ألا يحتفظ بالهاربين من المحكمة الجنائية الدولية - في تحد للالتزامات الدولية - لأنه يطمح يوما في محاكمتهم على جرائم دارفور. لن يخدم ذلك الضحايا أو الحكومة، والتي يمكن أن تكسب دعما كبيرا لعملية الانتقال عبر تسليمهم فورا والاستفادة من تلك الموارد في قضايا أخرى عديدة تنطوي على جرائم خطيرة ينبغي مقاضاتها. 

شارك معنا هذا الخبر

التعليقات

اخبار ذات صلة